سان ماميس: الكاتدرائية وهوية كرة القدم الباسكية

 

سان ماميس: الكاتدرائية وهوية كرة القدم الباسكية

أتلتيك كلوب لا يوقّع مع لاعب لم يولد في إقليم الباسك أو يتكوّن كرويًا فيه.

ليست قاعدة مكتوبة في لائحة، ولا شرطًا فرضه أحد على النادي. إنها سياسة اختارها بنفسه والتزم بها أكثر من قرن، بينما كانت كرة القدم من حوله تتحول إلى سوق انتقالات عالمية بلا حدود. ومع ذلك، يظل أتلتيك واحدًا من ثلاثة أندية فقط لم تهبط من الدرجة الأولى الإسبانية منذ تأسيسها.

لماذا "الكاتدرائية"؟

اللقب جاء من موقع الملعب القديم قرب كنيسة تحمل اسم القديس مامِس، الذي تقول سيرته إنه أُلقي إلى الأسود في القرن الثالث الميلادي فروّضها. ومن هنا جاء لقب لاعبي النادي: "الأسود".

لكن اللقب رسخ لسبب آخر. فالملعب القديم صار في الوعي الإسباني المكان الذي يُحج إليه، ليس لفخامته بل لما يجري داخله. ومنه اكتسب اسم "لا كاتدرال" ــ الكاتدرائية ــ ليس بوصفه مجازًا معماريًا، بل وصفًا لعلاقة الجمهور بالمكان.

وحين هُدم الملعب القديم عام 2013، انتقل الاسم مع النادي إلى المبنى الجديد الملاصق. وهذا في حد ذاته يقول شيئًا: الكاتدرائية ليست الحجر.

سان ماميس القديم: 1913 – 2013

وُضع حجر الأساس في يناير 1913، وأقيمت أول مباراة بعد سبعة أشهر فقط، في 21 أغسطس من العام نفسه، ضد راسينغ دي إيرون وانتهت بالتعادل 1-1. صمم الملعب الأول المعماري مانويل ماريا سميث، بسعة لم تتجاوز 3,500 متفرج.

ثم نما مع النادي على مراحل:

  • 3,500 عند الافتتاح في 1913

  • 9,000 بحلول عشرينيات القرن الماضي

  • 47,000 في 1952، مع بناء المدرج الشهير ذي القوس الحامل للسقف، وكان من أغرب المنشآت الرياضية في زمنه

  • نحو 40,000 بعد 1997، حين فرضت الاتحادات الدولية إزالة مدرجات الوقوف

استضاف الملعب القديم محطات كبرى: نهائي كأس ملك إسبانيا 1921، ونهائي كأس الاتحاد الأوروبي 1977، ومباريات كأس العالم 1982، ومباريات عديدة لمنتخب إقليم الباسك. وكان الملعب الوحيد الذي حضر كل مواسم الدرجة الأولى الإسبانية دون انقطاع.

أُغلق في 5 يونيو 2013، وبدأ هدمه في اليوم التالي مباشرة.

سان ماميس الجديد: كيف تُعيد بناء رمز؟

هنا المعضلة التي واجهها النادي: كيف تهدم مبنى بهذه المكانة العاطفية دون أن تهدم معه ما يمثله؟

الحل جاء في التفاصيل:

البقاء في المكان نفسه. بُني الملعب الجديد ملاصقًا لموقع القديم في منطقة باسورتو غرب بيلباو، على بعد كيلومترين فقط من وسط المدينة، وعلى مسافة سير قصيرة من متحف جوجنهايم. لم ينتقل النادي إلى طرف المدينة كما فعل كثيرون.

الاحتفاظ بالاسم. لا اسم تجاري بديل، ولا "سان ماميس الجديد" في الاستخدام اليومي. هو سان ماميس.

الشكل الحاد. وعاء مستطيل بأربعة مدرجات شديدة الانحدار على كل الجهات، وهو تصميم يخدم الصوت والرؤية معًا، ويحافظ على إحساس القرب الذي ميّز الملعب القديم.

افتُتح الملعب في 16 سبتمبر 2013 في مرحلته الأولى، واكتمل بالكامل في 25 أغسطس 2014. صممه مكتب IDOM بقيادة المعماري سيزار أثكاراتي، بتكلفة بلغت نحو 211 مليون يورو.

الأرقام الأساسية

السعة: 53,289 مقعدًا، وهو الأكبر في إقليم الباسك وضمن أكبر ثمانية ملاعب في إسبانيا.

أبعاد الملعب: 105 × 68 مترًا، بعشب هجين.

الموقع: شارع رافائيل مورينو بيتشيتشي، حي باسورتو، بيلباو، مع محطة مترو تحمل اسم الملعب.

الرقم القياسي للحضور: 52,114 متفرجًا في مباراة أمام رينجرز في 17 أبريل 2025. ويحمل الملعب أيضًا رقمًا في الرجبي بلغ 52,282 في نهائي أوروبي عام 2018.

وما يستحق الملاحظة أن السعة الجديدة تفوق القديمة بنحو 13 ألف مقعد، أي أن النادي وسّع دون أن يغادر.

الواجهة التي غيّرت أفق بيلباو

أبرز ما يميز الملعب من الخارج هو غلافه المصنوع من ألواح ETFE ملتوية شبه شفافة، تعمل كشاشة عرض ضخمة تضيء بالأحمر والأبيض ــ لوني النادي ــ أو بأي لون تقتضيه المناسبة.

وهذا الاختيار له سياق محلي مهم. فبيلباو مدينة أعادت بناء صورتها العالمية حول العمارة، بدءًا من متحف جوجنهايم في التسعينيات الذي تحول إلى نموذج يُدرَّس في التخطيط الحضري. وجاء سان ماميس ليضاف إلى المحادثة نفسها: مبنى حائز على جوائز معمارية، يصادف أنه يتسع لـ53 ألف متفرج.

بعبارة أخرى، الملعب ليس مجرد منشأة للنادي، بل جزء من مشروع المدينة.

الأجواء: ما الذي يجعلها مختلفة

في أغلب الملاعب الكبرى، الجمهور يشجع فريقًا. في سان ماميس، تضاف طبقة أخرى.

اللغة. الإعلانات والأناشيد والهتافات تُسمع بالباسكية، وهي لغة غير هندو-أوروبية لا تشبه الإسبانية ولا الفرنسية، وحضورها في الملعب أحد أوضح مظاهر الهوية المحلية.

سياسة التكوين. معرفة أن اللاعبين على أرض الملعب جاؤوا جميعًا من الإقليم نفسه تغيّر طبيعة العلاقة بين المدرج والملعب. الجمهور لا يشاهد محترفين تعاقد معهم النادي، بل أبناء المنطقة.

الحجم المتوازن. 53 ألفًا رقم كبير بما يكفي لصنع جدار صوتي، وصغير بما يكفي لتبقى المدرجات ممتلئة، فلا تظهر الفراغات التي تبتلع الصوت في الملاعب الأضخم.

ويستضيف الملعب أيضًا مباريات منتخب إقليم الباسك، وهو منتخب غير رسمي دوليًا لكنه يحمل دلالة كبيرة محليًا، وقد لعب في الملعب القديم عشرات المباريات على مدى قرن.

ما الذي نُقل من الملعب القديم

حين يُهدم مبنى بهذه المكانة، يصبح السؤال: ماذا يبقى؟

بقي الاسم، وبقي الموقع تقريبًا، وبقي اللقب. لكن الأهم أن ما مثّله الملعب القديم لم يكن مرتبطًا بعنصر معماري بعينه يمكن أن يُفقد بهدمه. لم تكن الكاتدرائية مدرجًا ولا قوسًا ولا واجهة، بل نمط علاقة بين نادٍ ومنطقة.

هذه نقطة تفرّق سان ماميس عن حالات أخرى كثيرة في أوروبا، حيث ترتبط هوية الملعب بعنصر مادي محدد ــ جدار، أو مدرج، أو ساعة ــ يصبح فقدانه خسارة لا تُعوّض.

وقد ساعد على ذلك أن الملعب القديم نفسه لم يكن مبنى واحدًا متماسكًا، بل نتيجة ست أو سبع مراحل من التوسعة والتعديل امتدت من 1913 إلى 1997. أي أن الجمهور كان معتادًا أصلًا على أن يتغير شكل ملعبه كل عقدين تقريبًا.

أتلتيك في السياق الإسباني

لفهم موقع النادي، تكفي ثلاث حقائق:

واحد من ثلاثة فقط لم تهبط من الدرجة الأولى الإسبانية منذ انطلاقها، والاثنان الآخران هما أكبر ناديين في البلاد ماليًا.

من أكثر الأندية تتويجًا تاريخيًا في إسبانيا، وهو إنجاز تراكم في معظمه خلال عقود سبقت التحول الكامل لسوق الانتقالات.

أكاديمية من الأقوى في أوروبا، وهي نتيجة منطقية لا صدفة: نادٍ لا يستطيع الشراء من الخارج مضطر إلى أن يكون الأفضل في التكوين.

هذه الحقائق الثلاث هي ما يمنح الأجواء في سان ماميس طبقة إضافية. فالجمهور لا يحتفل بفريق قوي فحسب، بل بنموذج أثبت أنه قابل للاستمرار في بيئة لا تشجع عليه.

الثمن والقيمة

من الإنصاف ذكر الوجه الآخر. سياسة الاقتصار على لاعبي الإقليم تعني قاعدة اختيار أضيق بكثير من أي منافس، وهو قيد حقيقي يظهر في نتائج بعض المواسم. أتلتيك لا يستطيع أن يفعل ما تفعله الأندية الأخرى حين تحتاج مركزًا معينًا: أن تشتريه.

لكن النادي يستمر في هذا الاختيار منذ تأسيسه في 18 يوليو 1898، لأن ما يكسبه في المقابل لا يُشترى. أكاديمية من أقوى الأكاديميات في أوروبا، وعلاقة بالمجتمع المحلي لا تشبهها علاقة، واستقرار مالي نابع من نموذج لا يقوم على سباق الإنفاق.

الوصول والزيارة

يقع الملعب على بعد نحو كيلومترين غرب وسط بيلباو، وتخدمه محطة مترو ومحطة ترام تحملان اسمه، ويمكن الوصول إليه سيرًا من عدة نقاط في المدينة.

وقربه من متحف جوجنهايم يجعل الجمع بينهما في يوم واحد ممكنًا، وهو ما يفعله كثير من الزوار. كما أن بيلباو مدينة متوسطة الحجم، ما يعني أن يوم المباراة يظل محسوسًا في شوارعها بدرجة يصعب تحققها في العواصم الكبرى حيث تذوب المباراة وسط أحداث المدينة الأخرى.

ويستضيف الملعب جولات داخلية ومتحفًا للنادي يوثق تاريخه الممتد منذ 1898، بما في ذلك مقتنيات من الملعب القديم.

الخلاصة

سان ماميس يقدم إجابة نادرة عن سؤال شائع: هل يمكن تحديث ملعب تاريخي دون خسارة ما يجعله تاريخيًا؟

الإجابة هنا نعم، لكن بشروط. البقاء في الموقع نفسه، والاحتفاظ بالاسم، وتصميم يخدم الأجواء لا الصورة فقط، والأهم: هوية للنادي لا تعتمد أصلًا على المبنى.

فالكاتدرائية القديمة هُدمت في يوم واحد عام 2013. واللقب انتقل إلى المبنى المجاور دون نقاش، لأن أحدًا في بيلباو لم يكن يعتقد يومًا أن الكاتدرائية هي الخرسانة.


إرسال تعليق

0 تعليقات